ابن كثير

90

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادي في الناس بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه . فقوله تعالى : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي هذه براءة أي تبرؤ من اللّه ورسوله إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ اختلف المفسرون هاهنا اختلافا كثيرا ، فقال قائلون : هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر ، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان ، لقوله تعالى : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [ التوبة : 4 ] الآية ، ولما سيأتي في الحديث . ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته وهذا أحسن الأقوال وأقواها ، وقد اختاره ابن جرير رحمه اللّه ، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الآية ، قال : حد اللّه للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ المحرم فذلك خمسون ليلة ، فأمر اللّه نبيه إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام ، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضا حتى يدخلوا في الإسلام « 1 » . وقال أبو معشر المدني : حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع ، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس ، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر ، وقرأها عليهم في منازلهم وقال : لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان « 2 » . وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم ، فقفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تبوك حين فرغ فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحج ثم قال : « إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » فأرسل أبا بكر

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 303 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 304 .